السيد محسن الأمين
30
أعيان الشيعة ( الملاحق )
النكير على المسلمين فتبعه ، بعض أهل العيينة وهدم قبة زيد بن الخطاب التي عند الجبيلة فعظم امره وبلغ خبره سليمان بن محمد بن عزيز الحميدي صاحب الأحساء والقطيف وتوابعها فأرسل سليمان كتابا إلى عثمان يأمره فيه بقتله ويهدده على المخالفة فلم تسعه مخالفته فأرسل اليه وامره بالخروج عن مملكته فقال له ان نصرتني ملكت نجدا فلم يسمع منه وخرج إلى الدرعية سنة 1160 ( وهي بلاد مسيلمة الكذاب ) وصاحبها يومئذ محمد ابن سعود من قبيلة عنيزة فتوسل بامرأة الحاكم اليه وأطعمه [ أطمعه ] في ملك بلاد نجد فتبعه وبايعه على قتال المسلمين فكتب إلى أهل نجد ورؤسائهم وقضاتهم يطلب الطاعة فاطاعه بعضهم وبعضهم لم يحفل به فأمر أهل الدرعية بالقتال فأجابوه وقاتلوا معه أهل نجد والأحساء مرارا كثيرة حتى دخل بعضهم في طاعته طوعا أو كرها وصارت امارة نجد جميعها لآل سعود بالقهر والغلبة ومات ابن عبد الوهاب سنة 1206 ثم مات محمد بن سعود فخلفه ولده عبد العزيز وقام بنصرة هذا المذهب وقاتل عليه وبلغت سراياه وعماله أقصى بلاد نجد ثم مات عبد العزيز فخلفه ولده سعود وكان أشد من أبيه في منع المسلمين عن الحج وخرج على السلطان وغالى في تكفير من خالفهم ثم مات سعود وخلفه ابنه عبد الله انتهى . وفي خلاصة الكلام ان الوهابيين أرسلوا في دولة الشريف مسعود بن سعيد بن زيد المتوفى سنة 1165 ثلاثين من علمائهم فأمر الشريف ان يناظرهم علماء الحرمين فناظروهم فوجدوا عقائدهم فاسدة وكتب قاضي الشرع حجة بكفرهم وسجنهم فسجن بعضهم وفر الباقون . ثم في دولة الشريف احمد المتوفى سنة 1195 أرسل أمير الدرعية بعض علمائه فناظرهم علماء مكة واثبتوا كفرهم فلم يأذن لهم في الحج انتهى ملخصا . وهذا المذهب وان كان ظهوره وانتشاره في زمن محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الا ان بذره قد بذر قبل ذلك من زمن أحمد بن تيمية في القرن السابع وتلميذه ابن القيم الجوزية وابن عبد الهادي ومن نسج على منوالهم . وقد عثرنا فيه على رسالة لمحمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المولود سنة 1059 والمتوفى سنة 1182 كما عن كتاب البدر الطالع للشوكاني سماها تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد وسيأتي النقل عنها في محاله وهذا الرجل كان معاصرا لابن عبد الوهاب . وعن كتاب أبجد العلوم للصديق حسن خان القنوجي كان المولى العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير بلغه من أحوال النجدي ما سره فقال قصيدته المشهورة : سلام على نجد ومن حل في نجد * وان كان تسليمي على البعد لا يجدي « 1 » ثم لما تحقق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن وجد الأمر غير خال من الإدغال وقال : رجعت عن القول الذي قلت في نجد * فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي 30 ( انتهى ) وعن محمد بن إسماعيل المذكور أنه قال في شرح القصيدة المذكورة المسمى بمحو الحوبة في شرح أبيات التوبة لما بلغت هذه الأبيات نجدا يعني الأبيات الأولى وصل إلينا بعد أعوام رجل عالم يسمى الشيخ مربد بن أحمد التميمي وذلك في صفر سنة 1170 وحصل بعض كتب ابن تيمية وابن القيم بخطه ثم عاد إلى وطنه في شوال من تلك السنة وكان من تلاميذ ابن عبد الوهاب الذي وجهنا اليه الأبيات وكان تقدمه في الوصول إلينا الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء انكرناها عليه من سفك الدماء ونهب الأموال وتجاريه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ عبد الرحمن حتى وصل الشيخ مربد وله نباهة ومعه بعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفير أهل الايمان وقتلهم ونهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله فعرفنا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية ويدله على العلوم النافعة ويفقهه بل طالع بعض مؤلفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقلدهما من غير إتقان مع أنهما يحرمان التقليد انتهى وهذا يدل على أن محمد بن إسماعيل المذكور رجع عن مغالاته في ولعل رجوعه كان بعد تاليفه رسالة تطهير الاعتقاد لان تلك الرسالة لا تقصر عن كتب ابن عبد الوهاب في المغالاة كما ستعرف . وقد تبع هذا المذهب من بعد ظهوره إلى اليوم بعض من ينسب إلى العلم من أهل السنة من غير النجديين حسنه في نظرهم ظهوره بمظهر ترك البدع مع ما يرونه من كثرة البدع لكن الإفراط آفة تفسد أكثر مما تصلح ( وكل يدعي وصلا بليلى ) والبعض منهم لم يصل في تضليل المسلمين إلى حد التكفير واستحلال الدم والمال كالآلوسي صاحب تاريخ نجد فيما حكي عنه حيث قال بعد ذكر سعود بن عبد العزيز : انه قاد الجيوش وأذعنت له صناديد العرب ورؤسائهم بيد انه منع الناس عن الحج وخرج على السلطان وغالى في تكفير من خالفهم وشدد في بعض الأحكام وحملوا أكثر الأمور على ظواهرها كما غالى الناس في قدحهم والإنصاف الطريقة الوسطى لا التشديد الذي ذهب اليه علماء نجد وعامتهم من تسمية غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل الله ومنعهم الحج ولا التساهل الذي عليه عامة أهل العراق والشامات وغيرهما من الحلف بغير الله وبناء الابنية المزخرفة على قبور الصالحين والنذر لهم وغير ذلك مما نهى عنه الشارع والحاصل ان الإفراط والتفريط في الدين ليس مما يليق بشأن المسلمين بل الأحرى بهم اتباع ما عليه السلف الصالح وتكفير بعضهم لبعض مستوجب للمقت والغضب ( انتهى ) فتراه قد أنصف بعض الإنصاف في لوم الوهابيين على تكفير من خالفهم ومنع الناس عن الحج والخروج على السلطان وتسمية الغارة على المسلمين جهادا في سبيل الله ولكنه حاد عن الإنصاف في جعله الحلف بغير الله والبناء على قبور الصالحين مما نهى عنه الشارع لما ستعرف من أن النهي منه غير واقع وجعله النذر للصالحين لما ستعرف أيضا من أنه لا ينذر أحد لهم بل لله ويهدي الثواب إليهم وربما يكون كثير من غير النجديين ممن ينسب إلى العلم ويميل إلى الوهابيين لا يصل في المغالاة إلى حد التكفير واستحلال المال والدم والله العالم باسرار عباده .
--> ( 1 ) وهي التي يقول فيها كما أورده في تطهير الاعتقاد : أعادوا بها معنى سواع ومثله * يغوث وودا ليس ذلك من ودي وقد هتفوا عند الشدائد باسمها * كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم نحروا في سوحها من نحيرة * أهلت لغير الله جهلا على عمد وكم طائف حول القبور مقبلا * ويلتمس الأركان منهن بالأيدي